المنجي بوسنينة
75
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
الاتّجاهات إلى تحويل علم الجمال ، إلى فرع علمي مستقلّ تماما فيغيب عن البال ما بين التّفكير الجمالي والفلسفي من علاقة شديدة الوثوق ؛ فالفلسفة بوصفها وحدة تركيبيّة تجمع ما بين طلب العلم وطلب الحقيقة والتّخليص النّظري للتّجربة والمعرفة الإنسانيّة وهي لا تستطيع أن تعالج مشاكلها الكبرى مثل : الحريّة ، ومعنى الحياة ، ومصير الإنسان ، ونظام العالم ، والوجود والصيرورة دون أن تولي اهتماما كبيرا للحياة الجماليّة والفنيّة الّتي تعبّر فيها الإنسانيّة عن ذاتها ومستقبلها تعبيرا شاملا مبدعا حرّا ، وتمتلك فيها ولو إلى حين ، أحلامها . فهو يرى أنّ كلا من الفلسفة والفنّ يقوم بأسلوبه الخاصّ باكتشاف الواقع ووعي حقيقة الإنسان وصراعاته وحدوده ومشاكله واقتراح مشروع لجدارته الإنسانيّة . والثّقافة الجماليّة والفنيّة عند بلوز جانب من الثّقافة الإنسانيّة يشتمل على المنجزات والوسائل الّتي يمتلك فيها الإنسان العالم بمختلف مظاهره وأحداثه وأشيائه امتلاكا روحيا - جماليّا ؛ فالعصر الحديث لم يحرز ما بلغه من تقدّم مدني وعقلي وتقنيكاني وحضاري إلّا عبر صراعات اجتماعيّة وتاريخيّة ، وعبر تشوّهات سلبت الحياة والإنسانيّة البهجة والطّلاقة والجمال . فالثّقافة الإنسانيّة ارتقت بالثّقافة الجماليّة . لذا نجده يشيد بالشّاعر والمفكّر شللر لكونه قد أبرز دور الثّقافة الجماليّة والفنيّة والتّربية الجماليّة في تحرير الإنسانيّة ممّا يكتنفها من إزراء وقسوة وشرور ، حيث عدّ الفنّ وسيلة الرّقيّ الأخلاقي وتنمية روح المواطنة وتطوير الشّعور بالمسؤوليّة الإنسانيّة . فليس سوى الإبداع الجمالي المتجلّي في الفن بقادر على أن يؤسّس شيئا فشيئا في قلب مملكة المسرّة واللّعب والحريّة ، فنشر الجمال شرط الحياة الاجتماعيّة الأخلاقيّة الخلّاقة . إنّ الفنّ العظيم في نظر بلوز يسهم في هزّ جمود الواقع إذ ينقلنا خياليّا من تصلّب العلاقات القائمة إلى مرونة الحياة المتحرّكة ، فيقيم المدى السيّال بين الواقع التّاريخي المتحقّق والإمكانيات المفتوحة في التّاريخ والحياة . ويؤكد بهذا حدود ونسبيّة كلّ أمر واقعي ناجز ، ممّا يحيي الأمل ويوقظ القدرة على الفعل والتّغيير ، ويمدّ الإنسان بالشّجاعة والقوّة ويقرّب بين الأفق الإنساني نجمة الحريّة . فالهدف الأوّل للأثر الفنّي هو أن يبرز بوسائله الخاصّة معنى سيادة الإنسان على الواقع ، حيث تقوم الثّقافة الجماليّة - الفنيّة بتنشيط عزم الإنسان بتوثّبه للظّفر بقيوده ، ودفعه في طريق تخطّي العقبات والمتناقضات التّاريخية ، وإضفاء الطّابع الاجتماعي الإنساني على وجوده الفردي والتّقدّم في عمليّة التّحكّم بمصيره ، والتّطلّع إلى النموّ الأكثر حرّية وشمولا وانسجاما . إنّ الإبداع الفنّي والمعايشة الفنيّة والمسرّة الجماليّة - فيما يرى - حالات يلتقي فيها الخيال بالواقع ، والحلم بالحقيقة ؛ فيعي المرء قابليّة تجدّد الحياة والسّيطرة على قواعدها وتوسيع حدودها . وهذا لا يتمّ إلّا عبر استشفاف دروب المجالات الممكنة أو التّمرين الخيالي على بدائل الواقع ؛ وهذا التّمرين الخيالي لا يبعدنا عن الحقيقة بل يفيقنا ، إذ يخترق اللّعبة الفنيّة جدار الواقع . وإذا كانت الثّقافة الفنيّة لا تزال تؤلّف الجانب الأهمّ في الثّقافة العربيّة عموما ، فمن